محمد بن محمد ابو شهبة

120

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وقد جمع السيوطي بين هذه الأقوال الثلاثة فقال : « ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا ، وآية وَاتَّقُوا يَوْماً . . . وآية الدين لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ، ولأنها قصة واحدة ، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر ، وذلك صحيح « 1 » . ومقتضى هذا الجمع من الإمام السيوطي أن آية الدين آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق . ولكني أقول : إن في النفس من هذا التوفيق شيئا ، وما ذكره غير مسلم له ، فقد سمعت آنفا قول الفاروق عمر - رضي اللّه عنه - في أن آية الربا من أواخر الآيات ، لا آخرها ؛ واستدلال السيوطي بأن الآيات الثلاث في قصة واحدة - غير مسلم فالآية الأولى في ترك ما بقي من الربا عند المدينين بعد نزول آية التحريم ، والثانية في التذكير باليوم الآخر ، وما فيه من جزاء ، والثالثة في أحكام تتعلق بالدين ، فكيف يقال إذا إنها في قصة واحدة ! ! ومما يضعف هذا الطريق في الجمع أيضا ، أن آية الربا نزلت « 2 » لما أسلمت ثقيف وأرادوا أن يستمروا على رباهم ؛ فاشتكى بنو المغيرة - وكانوا مدينين لهم - إلى عامل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه الآية آمرة لهم أن يتركوا ما بقي لهم من رباهم قبل التحريم ، وإلا فليأذنوا بحرب من اللّه ورسوله ، وثقيف إنما كان إسلامهم في رمضان في السنة التاسعة ، والظاهر أن هذه القصة كانت بعد إسلامهم ، وأين زمن إسلامهم من زمن اختتام القرآن قبيل وفاة الرسول ! وقد ذهب الحافظ ابن حجر في « الفتح » إلى نحو ما ذكرت ، ورجح أن آية وَاتَّقُوا يَوْماً . . . هي الأليق بالختام فقال : طريق الجمع بين القولين : القول بآية الربا ، والقول بآية وَاتَّقُوا يَوْماً . . . أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن ، وأما ما سيأتي في آخر سورة النساء من حديث البراء : « آخر سورة نزلت براءة ، وآخر آية نزلت : يَسْتَفْتُونَكَ

--> ( 1 ) الإتقان ج 1 ص 27 . ( 2 ) أسباب النزول للسيوطي على هامش تفسير الجلالين ج 1 ص 69 .